الشيخ محمد رشيد رضا
113
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الفعل وهو يجد في نفسه أنه مختار ، والآن قد صدق الوجدان باثبات المشيئة والإرادة للانسان ، ونوط مشيئته بمشيئة اللّه معناه أنه تعالى شاء أن يكون فاعلا بالإرادة والاختيار ، ولو لم يشأ ذلك لم يكن ولكنه شاءه فكان ، وعلم ذلك وكتبه ، ورتب عليه دينه وشرعه * * * ( 132 ) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ( 133 ) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 134 ) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ هذه الآيات الثلاث مؤيدة للثلاث التي قبلها ومتممة لبيان المراد منها . أما تلك فبيان لحجة اللّه تعالى على المكلفين الذين بلغتهم دعوة الرسل فجحدوا بها وتير لهم يشهدون به على أنفسهم يوم القيامة أنهم كانوا كافرين وأن عقابهم هنالك حق وعدل - وبيان لسنته تعالى في اهلاك الأمم في الدنيا بجنايتها على أنفسها لا بظلم منه بل بظلمها لانفسها ظلما لا عذر لها فيه - وبيان أن لكل من المكلفين جماعات وأفرادا درجات في الجزاء على أعمالهم - وحاصل الثلاث أن الاعمال النفسية والبدنية هي التي يترتب عليها الجزاء في الدنيا والآخرة وأما هذه الآيات التي قفى بها عليها فهي أيضا في بيان عقاب الأمم في الدنيا بالهلاك الصوري والمعنوي وتحقيق وعيد الآخرة وكون كل منهما مرتبا على أعمال المكلفين لا بظلم منه سبحانه ولا لحاجة له تعالى فيه لأنه غني عن العالمين بل هو معه كونه مقتضى الحق والعدل ، مون بالرحمة والفضل ، وهاك تفصيله بالقول الفصل * * * ختم الآيات السابقة بقوله تعالى « وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ » أي بل هو محيط بها ومجاز عليها وبدأ هذه بقوله ( وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ » لاثبات غناه تعالى عن تلك الأعمال والعاملين لها وعن كل شيء ، ورحمته في التكليف والجزاء « تفسير الآن الحكيم » « 15 » « الجزء الثامن »